اسماعيل بن محمد القونوي
394
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
طبقات البلاغة بأن بلغ مرتبة لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله من جهة النظم والمعنى كما أوضحناه آنفا فهذا الوصف كالعلة لعدم الارتياب في كونه وحيا وفيه رمز إلى أنه ممتاز عن سائر الكتب السماوية ببلوغه حد الإعجاز دون سائرها من الكتب الإلهية وإضافة الحد بيانية أي النهاية للبلاغة التي هي الإعجاز أو المرتبة التي هي الإعجاز فإن الحد يجيء بمعنى النهاية والمرتبة . قوله : ( لا أن أحد إلا يرتاب فيه ) أي لا أن معناه ذلك وإن كان الظاهر الحقيقي هذا المعنى والقرينة الصارفة ما أشير إليه بقوله ألا يرى الخ وهو معطوف على قوله إنه لوضوحه والعطف ومعناه ضعيف والقصر المستفاد منه قصر قلب أي معناه ذلك لا هذا لأن المخاطب اعتقد العكس بناء على الظاهر فقلب الحكم لمكان القرينة والأحد هنا اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث والمذكر فهمزته أصلية والأحد بمعنى الواحد همزته منقلبة عن الواو فلا يناسب أن يراد هنا وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي المنفي لا يخلو عن سوء الإيهام فالأولى أن يقال لا أنه لا يرتاب أحد فيه . قوله : ( ألا ترى ) توضيح لعدم كون المراد المعنى الثاني وهو الظاهر لأن هذه الآية تدل على ذلك وأما كون المراد الأول فلا يدل عليه فمن قال إنه توضيح لكون المراد المعنى الأول دون الثاني لم يصب وإنما عبر بما ذكر للإشعار بأنه لغاية ظهوره كالمحسوس الذي يرى ويبصر فترى من الرؤية البصرية دون القلبية والاستفهام للإنكار الوقوعي قيل وبعض الطلبة يقرؤه بالياء التحتية والرواية بتاء الخطاب انتهى ومثل هذا البحث قليل الجدوى عدل عن قول الكشاف ما نفي أن أحدا لا يرتاب فيه انتهى لأن ظاهره نفى نفي الريب فيكون إثباتا له فيفسد المعنى وشراح الكشاف تكلفوا في توجيهه ما تكلفوا والأحسن أن يقال إن قوله ما نفي مجمل وقوله إن أحدا لا يرتاب فيه تفصيله بتقدير القول أي ما نفي الريب نفسه ولم يقل إن أحدا لا يرتاب فيه بقرينة قوله بعده وإنما المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له وتقدير القول في مثله شائع كثير لكنه خلاف الظاهر وعن هذا عدل المص عنها وأصاب وأجاد والظاهر أن مراد المص كما في الكشاف هو أن المنفي في الحقيقة لياقة الريب به لا هو نفسه إذ نفي نفس الشيء يستلزم نفي لياقته فأريد هذا اللازم مجازا لقرينة مضى ذكرها ومسلك صاحب المفتاح أن الريب الواقع فيه بمنزلة العدم بناء على أن الريب إنما يعتد به إذا كان من عاقل بنظر صحيح وريب غيره كالعدم لوجود ما يزيله ويقطعه عن اسه وهذا معنى لطيف وباب واسع عند أرباب البلاغة حيث نزلوا وجود الشيء منزلة العدم لما ذكرناه مثلا لكن حمل كلام المصنف عليه بعيد بل غير صحيح لما في كلامه من الدلالة على أن مراده هو الأول إلى قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ [ البقرة : 23 ] الآية وجه دلالتها على وجود نفس الريب إن كلمة أن لا تقلب كان إلى معنى الاستقبال وأنه إذا أريد إبقاء معنى الماضي مع أن جعل الشرط لفظ كان وإن كلمة أن بمعنى إذا فيفيد القطع بوجود الريب واختيار كلمة الشك للإشعار بالتوبيخ على الارتياب وتصوير أنه مما لا ينبغي أن يثبت لكم إلا على